من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | آخر تحديث للموقع في الخميس 17 أكتوبر 2019 12:12 صباحاً

limitless
development
newspaper

L.D.N

التنمية برس.DP
آخر الاخبار
أقلام تنموية
الأربعاء 02 أكتوبر 2019 03:32 مساءً

التجارة في عمق أمواج متلاطمة

"لا حاجة الآن إلى اتفاق تجاري مع الصين"
دونالد ترمب، رئيس الولايات المتحدة

من حيث العدد، لا تقل التصريحات المطمئنة الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين والصينيين، عن "نظرتها" المتشائمة، حول الحرب التجارية المستعرة بين الولايات المتحدة والصين. لكن من جهة ما هو حاصل على الأرض فعلا، يبقى التشاؤم سيد الساحة حول إمكانية التوصل إلى اتفاق بين أكبر اقتصادين قبل نهاية العام الحالي. والحق أن أيا من الطرفين لا يتبع استراتيجية مرنة في هذا المجال، ولذلك فإن المفاوضات القائمة بينهما منذ 15 شهرا، لا تراوح مكانها فحسب، بل أنتجت إجراءات عقابية متبادلة على شكل فرض رسوم جمركية إضافية إلى سلع البلدين، تقدر بمئات المليارات من الدولارات. وهذه الإجراءات أفرغت منذ فترة ليست قصيرة المفاوضات من محتواها، لكن يبدو واضحا أن كلا من واشنطن وبكين تريدان المحافظة عليها بصرف النظر عن مخرجاتها السلبية حتى الآن.
الضربة الكبرى التي تلقتها هذه المفاوضات البائسة، جاءت من تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قبل أسبوعين تقريبا، بأنه لا حاجة إلى التوصل لاتفاق تجاري مع الصين قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام المقبل، وهو يرفض ما يتردد في الأوساط الأمريكية من أن الحرب التجارية الراهنة تضر بالاقتصاد الأمريكي تماما كما تضر بنظيره الصيني. فاقتصاد الولايات المتحدة، من وجهة نظر البيت الأبيض، يتمتع بالمتانة. وكان قد شدد في بداية العام الماضي على أن "الحروب التجارية جيدة ويمكن كسبها"، المهم الآن، أن أولئك الذين أبدوا تفاؤلا بإمكانية التوصل إلى اتفاق تجاري بين هذين البلدين المحورين، صاروا ينضمون الواحد تلو الآخر إلى "معسكر" المتشائمين، ليس فقط من جراء مواقف ترمب، لكن بسبب المواقف المتعنتة الأخرى الآتية من الصين. فهذه الأخيرة لا تريد أن تتراجع، ومستعدة أيضا لمواصلة الحرب.
لنترك جانبا التصريحات الرسمية الإيجابية الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين والصينيين. فحتى هذه لم تعد تنفع للاستهلاك الإعلامي، على الرغم من أن الموجة الأخيرة منها متفائلة إلى حد كبير لم يسبق لها مثيل، بما فيها تلك التي تتضمن الدعوات للتهدئة. لكن الواقع على الأرض مختلف تماما، وعلى هذا الأساس يتم التعاطي مع هذه الحرب التي تصاحبها بصور مختلفة معارك تجارية بين بلدان متقدمة في الشرق والغرب، ناهيك عن حال التجارة العالمية فيما لو فشلت مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق بين الطرفين. وكأن العالم تنقصه أزمة تجارية أخرى، الطرفان الرئيسان (واشنطن وبكين) متضرران من الحرب التجارية الراهنة، في حين انعكست آثارها على الساحة الدولية كما هو واضح.
بعض القطاعات في الولايات المتحدة ولا سيما الزراعية منها، تعاني بالفعل جراء هذه الحرب، لأن الرسوم المرتفعة المفروضة على السلع الصينية التي تستخدمها في عمل هذه القطاعات، رفعت الأسعار على الساحة الأمريكية أيضا. وهناك جهات أمريكية متعددة تذكر إدارة ترمب دائما بهذا الجانب. لكن الصين أيضا تعاني كثيرا هذه الحرب، وفشلت حملات خفض العملة الوطنية في تنشيط الصادرات كما كانت بكين تتمنى، ناهيك بالطبع على من أن البلاد تعاني تراجع النمو الذي وصل إلى 6.2 في المائة هذا العام، ليكون الأدنى على الإطلاق منذ أكثر من 27 عاما. ولم تتوقف المؤسسات الاقتصادية الدولية عن تحذيراتها التي أصبحت مملة من فرط تكرارها، بأن الركود قد يلحق بالاقتصاد العالمي جراء الحرب التجارية المشار إليها.
والنقطة الأخيرة حصدت اهتماما بالغا من جميع وفود الدول التي شاركت في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة أخيرا. بعض التقديرات الدولية تشير إلى إمكانية تكبد الاقتصاد العالمي خسائر بأكثر من 600 مليار دولار، جراء حرب الرسوم بين أكبر اقتصادين في هذا العالم. ويشير وانح يي وزير الخارجية الصيني من على منبر الأمم المتحدة، إلى فداحة الرسوم الجمركية والنزاعات التجارية ويرى أن ذلك "يقوض نظام التجارة متعدد الأطراف والنظام الاقتصادي العالمي ككل". في الواقع هذا ما يحدث على الساحة الدولية حاليا علما بأنه لا يوجد طرف بريء في هذه الحرب المستعرة. ورغم أن هناك اتفاقا على إطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين بكين وواشنطن منتصف الشهر الجاري، فإن أحدا لا يتوقع شيئا منها، ولا سيما بدء انشغال الولايات المتحدة بمعارك انتخابية ستظل مستمرة حتى الموعد النهائي لهذه الانتخابات.
وهناك تطور آخر قد يظهر على الساحة الأمريكية في الفترة المقبلة، إذا ما وافق دونالد ترمب عليه، يتعلق بإلغاء إدراج شركات صينية في البورصة الأمريكية، كما أن هناك مشاريع من الكونجرس تحض على ضرورة خضوع الشركات الصينية المدرجة في بورصة نيويورك للإشراف التنظيمي، في إشارة واضحة إلى إمكانية أن تنتقل الحرب بين الصين والولايات المتحدة، من مرحلة فرض الرسوم الانتقامية المتبادلة إلى استهداف الشركات الصينية على الساحة الأمريكية. الحرب وقتها ستكون شاملة حقا، وربما يصعب وقفها في مرحلة قريبة إذا ما تدهورت إلى هذه الحدود.